ابن المقفع
290
آثار ابن المقفع
واستأن به وان طالت الأناة « 1 » ، فإنك إذا استحققته اتاك من غير طلب وان لم تستبطئه كان اعجل له . لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقا ، وانك تعتدّ عليه ببلاء ، وان استطعت أن ينسى حقك وبلاءك فافعل ، وليكن ما يذكره من ذلك تجديدك له النصيحة والاجتهاد والا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره أول بلائك . واعلم أن ولي الأمر إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول ، وان الكثير من أولئك أرحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة إلا عمن رضوا عنه واغنى عنهم في يومهم وساعتهم . إياك أن يقع في قلبك تعتّب على الوالي أو استزراء له فإنه إن وقع في قلبك بدا في وجهك إن كنت حليما ، وبدا على لسانك أن كنت سفيها ، وإن لم يزد ذلك على أن يظهر في وجهك لآمن الناس عندك فلا تأمنن أن يظهر ذلك للوالي فان الناس اليه بعورات الأخوان سراع فإذا ظهر ذلك للوالي كان قلبه هو أسرع إلى التعتب والتعزز من قلبك فمحق ذلك حسناتك الماضية واشرف بك على الهلاك وصرت تعرف أمرك مستدبرا وتلتمس مرضاته مستصعبا . اعلم أن أكثر الناس عدوا مجاهرا حاضرا جريئا واشيا وزير السلطان ذو المكانة عنده لأنه منفوس « 2 » عليه بما ينفس على صاحب السلطان ، ومحسود كما يحسد غيره ، غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على السلطان لأن من حاسديه أحباء السلطان الذين يشاركونه في المداخل والمنازل ، وهم وغيرهم من عدوه الذين هم حضّاره ليسوا كعدو من فوقه النائي عنه المتكتم منه وهم لا ينقطع طمعهم من الظفر به فلا يغفلون عن نصب الحبائل ، فاعرف
--> ( 1 ) استأني في الامر : تأنى فيه ولم يعجل والاسم منه أناة بوزن حصاة . ( 2 ) نفس عليه بخير : حسده عليه ولم يره له اهلا ونفس بالشيء ضن به وهو من باب سلم .